هاذا ما تركناه ... الأستاذة صالحة غابش

 

هاذا ما تركناه ...

الأستاذة صالحة غابش

رئيس المكتب الثقافي والإعلامي في المجلس الأعلى لشؤون الأسرة

في كلمات واضحة وموجزة قالها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، عبر سموه عما يجول في خواطرنا من مشاعر تجاه تاريخنا الذي تركناه ذات ليلة من ليالينا التي انهزمنا فيها أمام ما حققنا من منجزات أدهشت العالم.. تاركين على الجدران ملامحنا التي كانت.. وأسماءنا التي كانت..
يدمع القلب قبل العين، وأنا أسترجع ذلك التاريخ من قراءتي لكلمة صاحب السمو حاكم الشارقة في أحد لقاءات سموه في إسبانيا، وقد ظننت أننا نسينا، وأن الدهر أخذنا إلى حاضر أشد وعورة على الأمة، فسموه بما آتاه الله عز وجل من لغة لا ترضى بغير الحقيقة العلمية التاريخية.. يباغت مشاعرنا تجاه وقائع تبدو محفورة في ذاكرة أمتنا إلى اليوم بأحداثها التي أرخت في كتب وقصائد وحكايات. نعم «تركنا أسماءنا على الوديان وعلى الجدران وعلى كل شيء».. تركنا قصائدنا في دفاترها وحملنا منها أبياتاً في خواطرنا المجروحة.. وتركنا أحلامنا تحت قمرها وحملنا ليالي لا قمر فيها ولا أحلام سوى الهروب من الوجع والهلع والخوف. تركنا ذكريات مفرحة في أولها أصبحت مأساة في آخر عهدنا بالمكان والزمان لا تزال ذكراها تراوح في عقولنا والوجدان. تركنا أجمل ما كان فينا تحت الجهالة والنسيان والضياع.. تحت القمع والاضطهاد والتطهير العرقي بسيوف أراقت دماء من بعثوا في الأرض الجرداء حدائق وبساتين.
يقولون إننا أمة لا تحسن سوى البكاء على أطلال الماضي ولا تنظر إلى المستقبل، ونحن نقول إننا لسنا مفصولين عن ماضينا لأنه ثري وأصيل، ولأنه عميق في إنسانيته، لأنه جزء مهم إن لم يكن الأهم المكون لهويتنا بلغتها وعقيدتها، بتراثها وإنجازها.. ليست هناك أمة عاقلة تنسلخ من ماضيها، كما أنه ليست هناك أمة عاقلة لا تسير إلى المستقبل من دون أن تصطحب تاريخها وقيمها التراثية، فالماضي لا يجر إلى الوراء لكنه وقود مهم للنظر عبره للمستقبل الذي نسعى لأن يكون الأجمل أماناً واستقراراً، وازدهاراً وتقدماً، ونمواً في كل مجالات الحياة.

حين درست الأدب الأندلسي في المرحلة الجامعية، اكتشفت ما لم أكن أعلم.. صحيح كانت لدينا معرفة بوجود تاريخي مهم على هذه الأرض.. لكن قوة هذا الوجود هي التي استحقت أن أفرح باكتشافها لأنه قائم على حضارة وعلم وتقدم.. حيث وجد العقل العربي في مكان مختلف خريطة لأن يرسم مستقبل الإنسانية ويفكر بما حوله.. ويستكشف حقيقة الكون.. ويبحث في تفاصيل الإنسان فيضع نظريات الطب والنفس ويطبقها، ويبحث في إمكانيات جعل الحياة أفضل وأسهل عبر اختراعات لم يكن للإنسان هناك أو هنا عهد بها، وعلى إضاءات أولية يضع مؤلفاته التي يعتمد على نتائجها الباحثون القادمون إلى الحياة في القرون المتعاقبة الآتية، ويفتح نوافذ واسعة وعظيمة مطلة على العاطفة والوجدان من خلال منتج نثري كتبه الخطباء والكتاب والأدباء وغيرهم من المؤلفين في صنوف الكتابة المختلفة، وكذلك ديوان شعري أندلسي كتبه شعراء وشاعرات تأثروا بأجواء الأندلس المترفة وجمال الطبيعة الإسبانية الرائعة.. ظهر ذلك جلياً في المفردات والموسيقى والخيال والإيقاع.
واكتشفت شاعرة ليست بأهمية ولادة بنت المستكفي، ولكنني تأثرت بقصيدة واحدة لها أكثر من التأثر بولادة، فكان ديوان «بمن يا بثينُ تلوذين؟»، مستندة إلى حكاية بثينة بنت المعتمد أمير إشبيلية آنذاك، حيث عاشت لحظة تاريخية صعبة انهارت فيها مملكة العرب والمسلمين وتغربت عن أسرتها.
اليوم، تقف الشارقة بحاكمها وثقافتها وانتمائها العروبي الإسلامي ضيفة شرف على معرض ليبر للكتاب في مدريد لتقرأ رسالتها الإنسانية على العالم وتطلب فتح الصفحات المغلقة وإعادة قراءة التاريخ بما يعيد للعلاقات الإنسانية مكانتها في عالم لا يزال يموج بحكايات مأساوية لا يعلم إلا الله متى يسدل الستار على مشهدها الختامي.
ويبقى جزء منا هناك.. «مكتوب على الجدران وعلى الوديان.. مكتوب على كل شيء».. وسيظل لقلوبنا نبض مختلف حين نمشي بين أروقة إشبيلية وقرطبة وغيرهما.. وتظل إسبانيا الوطن الحاضن لتاريخ صنعه أجدادنا فيها.. يقرأ العرب والإسبان ذلك التاريخ معاً بغية تعزيز وتقوية الروابط الإنسانية القائمة على فهم وتقدير المشاعر الدافئة والحقيقية تجاه هذا التاريخ.