عودوهم القراءة ترتاحوا.....

عوّدوهم القراءة ترتاحوا...
د. علي عبد القادر الحمادي

في رحلة بالقطار تمتد إلى عشر ساعات بين كازابلانكا و وجدة في أقصى الشرق المغربي لا بد للراكب أن يهيئ لنفسه أسباب الراحة، وأولها أن يحجز مقعدا في الدرجة الأولى وثانيها أن يدعو الله أن يرزقه رفيقا لطيفا.

في المقصورة رقم 6 ستة كراسي. ثلاثة فارغة ومثلها شاغلة، أو كما يقول المغاربة ثلاثة خاوية وثلاثة عامرة. كان الجيران لطفاء. اثنان في سبات عميق وثالث مشغول بتأمل خاتم في معصمه. بعد محطة أو اثنتين دخل اثنان آخران ما لبث محصل التذاكر أن أخرجهما حين رأى تذكرتهما لأنهما درجة ثانية. حاولا أن يتعرضا ويتحججا بأن مقاعد الدرجة الثانية عامرة ولكنه كان حازما فخرجا.

محطة أو اثنتان وإذا بامرأة مغربية ترتدي قفطانا بني اللون تدخل مصطحبة ابنتها ذات الثماني سنوات. جلست الأم بجانبي، وترددت الطفلة في الجلوس لأن مقعدها لا يجاور مقعد أمها، ولا يقابله، ظلت متسمرة في حضن أمها فما كان مني إلا أن قمت من مكاني وأجلستها بجانب أمها وجلست في مواجهتها.

بدأ عليها الارتياح فهمست في حضن أمها التي سرعان ما استجابت لها وأخرجت كتابا أعطته إياها ثم خلدت الأم للنوم. ساعة ونصف والطفلة تقلب صفحات الكتاب وتقرأ كلماته وتتأمل صوره. الأم في نوم عميق والطفلة تقرأ!! لم تطلب من أمها ماء أو حلوى أو "شبس" أو حلاوة أو "هامبورجر" أو "بيبسي". لم تزعج أمها بالسؤال عن موعد الوصول، لم تشعر بالملل، ولم تتضايق من الجلوس على الكرسي ولم تبدأ بالقفز والنط.

هل يفعل أولادنا ذلك؟ أعرف أن هذا السؤال يجول في خواطر بعض الآباء وأذهانهم. أعرف أنهم يغبطون هذه الأم ويتمنون لو أنهم يحظون بمثل هذه القارئة الصغيرة، أعرف أنهم يقارنون بينها وبين أبنائهم الذين لا يستهويهم الكتاب، ولا تكف أفواههم عن طلب المزيد من السكاكر.

وبعد الصورة المشرقة التي رسمتها لطفلة القطار، وداعبت بها مخيلة الآباء الشاكين من أبنائهم، فإنني أنتقل إلى الآباء والأمهات لأصدمهم وأقول: هل يستقيم الظل والعود أعوج؟!

تشتكون من إزعاجهم في الرحلات وتقولون: "إن مفهوم الرحلة عند أبنائنا يرتبط بالأكل الذي ينسيهم التأمل في الطبيعة أو الاستمتاع بالمكان والإحساس بجماله" وأقول: ألستم من ملأ الحقائب بأصناف المأكولات واستعد للرحلة بإعداد الوجبات وتخزين المؤن والمشروبات والحلويات؟؟ هل فكر أحدكم بتجهيز مكتبة متنقلة توضع في السيارة بجانب حقيبة أو حقائب الأكل؟؟ لمْ نعودهم القراءة في الرحلات فكيف لهم أن يقرأوا؟

تتضجرون من إثارتهم الصخب في المنزل وتقولون: " يركضون خلف بعضهم البعض، يتشاجرون على الألعاب، يتقاذفون بها، يختلفون على اختيار القناة التلفزيونية، يبدؤون اللعب بالألعاب الإلكترونية ثم سرعان ما يتخاصمون، وبالشكوى إلينا يجأرون" وأقول: هذا ترفيه جميل ولكن هل أدخلتم الكتاب ضمن برنامجهم الترفيهي؟ أما أنكم لو فعلتم لكان خيرا لهم من لعبة إلكترونية أو تلفاز، ولكان خيرا لكم من وضع أبنائكم تحت سيطرة الشاشات. عودوهم الكتاب وتأكدوا أنه سيربيهم إذ أنتم مشغولون، وسيعلمهم من حيث لا تعلمون، وسترزقون الراحة من حيث لا تحتسبون. وبها ستنعمون.

تعجبون من تضييعهم لأوقاتهم فيما لا يفيد وتقولون: "إن قلوبهم في صمم عن الكتاب، عيونهم عنه عمياء، وآذانهم عنه صماء، وأيديهم مغلولة لا تمتد إليه، وأنفسهم تضيق به فلا تأنس به. يفضلون الجلوس فارغين على صحبة كتاب أو قصة. " وأقول: لا أظن ما قلتم إلا وصفا لحالكم قبل حالهم، وإدانة لأنفسكم قبل أبنائكم أما والله لو قرأتم لقرأوا، ولو صحبتم الكتاب لصحبوه، ولو فعلتم ما أمرتم به لفعلوا.

مشى الطاووس يوما باختيال فقلد شكل مشيته بنوه

فقال علام تختلون قالوا: بدأت به ونحن مقلدوه

أما تدري أبانا كل حي يحاكي بالخطأ من علموه

وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان عوده أبوه