بين دفتي الكتاب وعلى مر الأزمنة .. أمٌّ تقرأ معك ...

بين دفتي الكتاب وعلى مر الأزمنة ..  أمٌّ تقرأ معك ...

حين لم يكن الكتاب هو أول الدروس، كانت الأم هي أول المعلمين، تطالع عن كثب إمكاناتنا، وتقوي من عزيمتنا، وتوجهنا نحو كيفية الجلوس الصحيح،  ثم كيفية الإمساك بإحكام واتزان ودون تفريط لدفتي الكتاب، وكيفية التركيز والتوجه نحو اختيار ما يناسبنا،  منذ أن كانت هي  وحدها التي تعي أنه من هنا تنشق الحياة لدروب تحقيق الآمال، كانت هي فكان الكتاب والمدرسة رفقاء الدرب.

ومع مرور الوقت ونحن نكبر تحول الكتاب إلى أم  فصار يُربي، ويسهر على راحة الحِسِّ فينا، ويهيئ كل الظروف والبيئات من أجل صيرورة الذات المعطاءة التي تهب  لنا  الأم صور منها  تشبه بداية الخلق وعطر التنماي وفلسفة الخلود، وكأن الكتاب عُجِنَ وتَشَكَّلَ من نفس طبيعة الأم، أو أنه استقى منها حتى اكتفى فصار أماً تهب دون مقابل، وتبني وتزرع وتسقي ولا تنتظر إلا أن يكون نتاجها جميلاً ووافراً يتماهى مع الانبعاث الحقيقي للولادات التي تهب الحياة لوناً تنقسم أطيافه على كل موجات  قوس الألوان لحظة سقوط الضوء والتقائه بحبات المطر.

 والكتاب أم تطوف معنا الأرفف رفاً رفاً،  والممرات في معارض الكتب والمكتبات  داراً داراً،  وتمسح على يدينا مؤكدة حسن الاختيار، وتوجه أعيننا  لعقل ممتد فوق رف لم تبصره خبراتنا وقدراتنا، فتعيننا بخبرتها، وتلامس رغباتنا، وتتمشى مع صور أصحابنا افي المجلات والصحف والكتب فنحكي لها شيئاً وتحكي لنا مقاربات وسيّر، وتبقى معنا حتى وإن غادر الكتاب بصفحاته يديينا.. فالكتاب الذي تنتقيه معنا  أم تلازمنا عينيها، تحيطنا بنور، وتترك فينا  أثر التجلي والخلود للبدايات المشعة.

والكتاب صوت  أمٌّ تغني للطفل وتشدو وتنشد قصائد وأغاني، وترسم صوراً وتلون معه الأماني، وفيه خيال لليافع يتماشى مع الطموح ومع التطلعات فيطير ويندس ويخبو ويسطع كالنجم الفتانِ وللشاب وللناضج، وللمفكر والمتفاكر، وللإنسان.

وتعلمنا كيف نصاحب كل الألوان والأطياف والبشر والحيوان، وتحسسنا ملمس كل الحيوات،  وبصوت الأم الحاني سمعنا قصص تكمل الدرس الذي داعبنا وعزف على أوتار براءتنا وشاغب معنا، وكأن التناغم بين الكتاب والأم لا ينتهي إلا من حيث ابتدأ،  فيمطر على أرواحنا عشباً أزرقا وسماء، ومع صوتنا الأول وحروفنا الخجلى ومقلنا الحائرة في كوكب الألوان، والأشكال، وتصورنا، وخيالنا البكر لترجمة الأرقام، وعلاقتنا بباقي الأكوان، مازالت تطالعنا عينا أم أبصرت وتعلمت كيف تحتضن الأشياء وتحافظ عليها فتنميها وتعزز قدراتها بالمعرفة.

 

وهكذا فعل الكتاب، احتضن أفكارنا وألهمنا، ومعه تعلمنا دورة الحياة، وسلسلة النباتات والحيوانات، والكواكب والنجوم والمحيطات، وتفقهنا في الدين، وانطلقنا للفضاء والفضائيات، وغردنا مع وسائل التواصل الاجتماعي ولم نكتف بتشكلاتنا غير المنتهية، وما زال يستوعب كل انفتاحاتنا واختلافاتنا ويحتضن ذلك بين دفتيه، كأم حنون تنتظر أن نتخذ قراراتنا وتنتظر نتاجاتنا ونجاحاتنا.

وكبرنا وما زالت تسكننا تفاصيل البدايات، الأم وحدها الكتاب الذي يمتد خارج الدفتين، ليزهر فوق عشبنا المترامي  ورد وشجراً وحياة، وينبت عمراً أبيضاً، وأرواحنا  خضراء تشدو على أفنانها أشكالاً وألواناً وأصواتاً ...

وعليه وجب أن نوفي ونبر للكتاب، فنعلي شأنه ونقدر مكانته، ونعيد إليه قيمته الحقيقية التي تعني  دون أدنى شك قيمتنا ومعارفنا وتعيد إلينا كنوزنا وتاريخنا ومجدنا، وبهاء خلقتنا وأخلاقنا ..

عائشة مصبح العاجل