من أنا؟ بحث في الصورة الذاتية (1+2 ) الأستاذة ريم صابوني

من أنا؟

بحث في الصورة الذاتية

(1)

الأستاذة ريم صابوني 

مدرب و محاضر في منهج المونتيسوري للطفولة المبكرة من مؤسسة ميبي الأمريكية و معتمدة من الاتحاد الفيدرالي و جامعة سيفورد الأمريكية.

=======================================================

ليس المهم أن يعرف طفلك كيف يجمع اثنين أو ثلاثة أو أن يمسك بالقلم ويكتب اسمه في المرحلة العمرية للطفولة المبكرة بقدر وجود أهمية بالغة لما يسمى بـ(الصورة الذاتية) لديه. فما هي تلك الصورة الذاتية؟
إن أخبرتك أن تقف أمام المرآة الآن فإنك حتمًا سترى صورتك المنعكسة عليها، لكن ما ذا لو كانت هنالك مرآة سحرية ليست كتلك التي تقول لك " بأنك الأجمل على الإطلاق" كما ورد في قصة بياض الثلج، لكنها مرآة سحرية تريك عالمك الداخلي وصورتك التي كونتها أنت عن نفسك.  
إنه أنت بخصالك وصفاتك وشخصيتك كما تعرفها عن نفسك أو بالأحرى كما كونتها عن نفسك.  
ما الفرق؟       
"
هل أنا حقًا ما يقال عني؟ هل أنا جدير بهذا الذمّ حقًا؟ هل كنت سيئًا لهذه الدرجة التي ينظرون بها إلي؟....."   
قد يكون هذا حديثًا مقتبسًا من أحد الأطفال عن نفسه لكنه على الأرجح حديث داخلي لم يقله بلسانه أبدًا بل قالته عنه صورته الداخلية ثم ترجمتها سلوكياته المنعكسة وفقًا لهذه الرؤية أو الصورة التي كونها عن نفسه من الخارج

 

  • كيف تتكون صورة الأطفال حول ذواتهم؟        
  • من المسؤول عن صورتنا الذاتية؟      
  • صورتي في صغري تشكل صورتي عند بلوغي؟
  • هل أستطيع أن أغير صورتي الذاتية التي كونتها عن نفسي في صغري؟
  • هذا ما سأحاول أن أجيب عنه في سلسلة (من أنا؟ / بحث في الصورة الذاتية)

 

يبدأ الأطفال برسم صورة لهذا العالم الخارجي من خلال إدراكهم له وفهمه على نحو أوقع وبذات الوقت يبدأ تشكل عالمهم الداخلي الذي نساهم بصياغته. 
فإذا كانت حواس الأطفال هي النافذة الأولى نحو عالمهم الخارجي فإننا نشكل _ كآباء_ نافذتهم الأولى نحو عالمهم الداخلي. أقول هنا (آباء) لأن مقدم الرعاية الأصيلة للطفل هما الأم والأب وأي بالغ يتولى هذه المهمة في مراحلهم العمرية المبكرة ثم تتدخل عناصر أخرى في تقديم التربية والتعليم لهم.      
هذا يعني -متفقين- أن الأم والأب هما النافذتان الأوليتان للطفل. لكن إن تحدثنا بتفصيل أكبر فإننا سنجد أن من يتولى 90 بالمئة من مهمة الرعاية في البداية هي الأم، لذلك وجب التركيز على الأم أكثر من جانب الأب وإن كان تأثير الأب سيحل لاحقًا بنسبة متساوية.         
يقوم الوالدان في مرحلة الطفولة عمومًا بتمثيل جانب الحياة المضيء أو المظلم للطفل. فهم إما أن يرياه العالم بيئة مسالمة جميلة ملونة وإما أن يقدما له صورة قاتمة بشعة غير آمنة ولا مستقرة .
وبناء على هذه الرؤية المقدمة له في صورة بيئة منزلية مستقرة يعمها السلام فإن الطفل سيكبر بثقة واحترام أكبر لنفسه وباحتمالات ضعيفة لتعرضه إلى هزات نفسية أو عقد تتطور إلى أمراض نفسية في المستقبل، والعكس صحيح، فإن نشأة الطفل في بيئة مشتعلة بالخلاف والعنف أو التعنيف بأشكاله الجسدي أو اللفظي لهو ممهد كبير ذو احتمالات عالية لتعرض الطفل مستقبلًا إلى انتكاسات تهدد صحته النفسية.

تحدثت د/ ماريا مونتيسوري - طبيبة إيطالية واضعة منهج المونتيسوري في تعليم الأطفال - في كتبها عما يسمى بمثلث العملية التربوية وهي (الطفل - البالغ - البيئة) وذكرت أن كلًا من هذه العناصر يؤثر ويتأثر بالآخر، وإذا أردنا أن ننظر إلى العوامل المؤثرة في شخصية الطفل لوجدنا عاملي (البيئة والبالغ)، أي أن البيئة والبالغ يلعبان الدور الأكبر في تشكيل شخصيات الأطفال ونظرتهم نحو ذواتهم.        
فإن كانت تلك البيئة بشقيها المادي والمعنوي بيئة داعمة محفزة وإيجابية نشأ الأطفال بنظرة متفائلة ومحبة للحياة وبالتالي كانت فرصهم في العطاء والإبداع أكبر. أما لو كانت تلك البيئة على العكس تمامًا فإنه من المرجح أن تكون النتيجة عكسية.         
كذلك الأمر بالنسبة للبالغ الذي يؤثر في البيئة والطفل على حد سواء.
ومن هذه المعادلة يتكون ما يسمى بالاحترام والتقدير الذاتي عند الأطفال.

ولكن كيف يطور الأطفال احترامهم لذواتهم؟    
يطور الأطفال احترامهم لذواتهم من خلال إدراكهم بوجود أناس في حياتهم يوفرون لهم الحب على الدوام، ليس لما يقومون به وإنما لما هم عليه. فالأطفال الذين يشعرون بأنهم محبوبون لما يقومون به فقط يشعرون بالكثير من الإحباط وخاصة عند الإخفاق بل ربما يتطور الأمر  و يشعرون بالخوف.      

أما الطفل الذي يحظى بمقدار غير محدود من الحب والدعم اللامشروط؛ فلديه المعرفة والثقة بإمكانية العثور على حلول، يمكنه تلقي الصدمات، وقد يشعر بيأس الإخفاق إلا أنه يستطيع أن يتخطى ذلك فيصر على المحاولة مجددًا.       
وعندما يسمع الأطفال يوميًا العديد من كلمات المديح والإطراء يزداد احترامهم لذواتهم وتزداد ثقتهم بنفسهم رغم ارتكابهم للأخطاء إلا أنهم يدركون محبة الآخرين لهم وقبولهم لهم بغير شروط.

"بالرغم من حقيقة أن جوعنا الداخلي العميق هو جوع للقبول غير المشروط، إلا أننا كأجيال متعاقبة من البشر قاومنا القبول غير المشروط بكل الطرق وأدمنا القبول المشروط وهكذا تشوهت فطرتنا"      
هذا يعني حسب ما ذكره د/ أوسم وصفي في كتابه "صحة العلاقات" أن القبول غير المشروط أمر فطري فينا منذ أن كنا أطفالًا وهذا حق لأطفالنا ألا نشوهه ونعمل على تقديمه لهم إن أردنا لهم أن ينشؤوا أسوياء نفسيًا وأصحاء ويكونون صورًا مشرقة عن ذواتهم فالحرمان آفة الاضطراب!

(2)

من أنا ؟

بحث في الصورة الذاتية

صورتي الذاتية تعكس تقديري لذاتي

تتضمن صورتنا الداخلية عن ذواتنا : خصائصنا و إمكانياتنا ومواهبنا التي تميزنا كأفراد لكنها استمدت شكلها الأولي من مراحل طفولتنا المبكرة والتي نمت من خلال الاتجاهات الإيجابية الآتية من الآخرين ، الأمر الذي ينجم عنها ما يسمى بتقدير الذات .

مفهوم "تقدير الذات" هو أحد المفاهيم التي شغلت السيكولوجيين في الفترة الأخيرة وهو أحد أكثر المفاهيم ظهوراً في معرِض الكلام عن " الذات" و بتعريف بسيط حول هذا المصطلح نستطيع القول بأنه : موقف داخلي للإنسان يشمل مجموعة من المعتقدات التي يحملها المرء عن نفسه وليست بالضرورة أن تكون معبرة عن حقيقته فعلاً " !

انطلاقاً من التعريف السابق نتوصل إلى أن تقدير الذات قد يكون قوياً أو ضعيفاً ثابتاً أو متغيراً تبعاً للظروف النفسية التي نعايشها , و قد تبدأ هذه الظروف تأثيرها علينا في سني الطفولة الباكرة حيث يكون مفهومنا عن أنفسنا مستمداً من آباءنا وبالتالي يكون تقديرنا لذواتنا خارجياً يعتمد بشكل كبير على ردود أفعالهم لما نقول أو نفعل .

يأتي أطفالنا إلى هذا العالم بلا ماضٍ ولا خبرات سابقة ولا ميزان يقيسون وفقه قيمتهم . ثم يعتمدون علينا كلياً و يمتصون من حولهم الرسائل المباشرة وغير المباشرة عن قيمتهم كشخصيات مستقلة .

فالطفل ذو تقدير الذات المنخفض هو طفل يبحث عن معلومات تؤكد رؤيته الفقيرة لنفسه : " أنا فاشل كما قالت أمي لذلك أخفقت , لابد أني غبي كما قال معلمي لأني لم أنجح في حل المسألة ، أنا طفل أخرق كما قال أبي لأني كسرت زجاج النافذة " وبذلك تتلاءم التوصيفات عنه مع نظرته التي صدقها عن ذاته وبالتالي انخفض تقديره لها ، ومثل هذا الطفل سيستمر في نظرته مع بلوغه و حاجته المكبوتة المتنامية بداخله إلى القبول و الاستحقاق .

أما إذا كانت تجارب الطفل الأولى إيجابية و داعمة فإنه على الأرجح سينمّي تقديره الذاتي ليرتفع و شعوره بقيمته كإنسان .

 

الدعم الوالدي للأبناء مرتبط بالتقدير المرتفع لذواتهم

يحاول الأطفال إرضاء أمهاتهم و آبائهم عن طريق سلوكيات مثيرة للانتباه و يلحظون بشدة ردود أفعالهم نحوهم ، كلما كانت تلك الردود إيجابية ( تقدير ، تشجيع ، مديح ) كلما كرر الأطفال نفس السلوك للحصول على نفس الاستجابة وبالتالي نستطيع تعزيز السلوك الإيجابي لديهم بهذه الطريقة

هذا يعني إن سلوك الوالدين عموماً إذا كان داعماً و إيجابياً فإنه يعزز و يطور تقدير الذات لدى الطفل , لاحقاً يأتي دور المدرسة و الأقران لتشارك في عملية نمو أو تقلص تقدير الذات .

أما إن اتجه سلوكهم نحو القسوة و الضغط والحرمان أو حتى التساهل كلما كان الطفل أقلّ تحملاً لمسؤولياته و أقل احتراماً لنفسه وبالتالي يحصل على تقدير منخفض لذاته .

ولكن كيف لي كأب أو أم أن أنمي تقدير طفلي الذاتي ؟

سؤال مهم ويشغل بال العديد من الآباء والمربين حول العالم خاصةً أولئك المهتمين بتنشئة أطفالهم تنشئة نفسية صحية و سليمة لا تقلّ أهمية عن تعليمهم .

بداية علينا أن نضع في الحسبان مدى يقظتنا و إدراكنا و ملاحظتنا لسلوك أطفالنا ، فالملاحظة الدقيقة و المتمعنة هي أولى خطوات التعامل المنهجي مع أطفالنا .

ثانياً لابد أن أنظر حولي في البيئة المحيطة بطفلي ، هل البيئة حولنا مغايرة لجنسيتنا و عرقنا وثقافتنا ؟ على الأرجح فإن اختلاف البيئة المنزلية عن بيئة المجتمع قد تولد ضعفاً في تقدير الذات لدى الأطفال إن لم أعمل عليها – كبالغ - في توحيد العوامل المشتركة و البحث عن مناطق التشابه لا الاختلاف سعياً نحو الاندماج والبحث في جوانب اهتمامات طفلي عن قاسم مشترك مع البيئة الخارجية

ثالثاً : من الأهمية بمكان أن أتوجه إلى عالم طفلي الداخلي و أعمل على اكتشافه وتعزيز مواطن القوة و تقوية مواطن الضعف فيها .

 

مرحباً ! لقد أتيت

أحد أجمل الأساليب التي كنت أتبعها مع طفلي هو أسلوب " حكايتي" ، أي أن أحكي لطفلي تاريخ حياته وقصة مولده وكيف جاء إلى هذا العالم مولود جميل محبوب يدعى كذا وكيف استقبله الجميع بفرحة عامرة ولا أجمل حينها من استعادة الذكريات الجميلة و الاستعانة بالصور و تسجيلات الفيديو ، عندها حتماً ستقضون وقتاً رائعاً تجددون فيه صلتكم العاطفية بأبنائكم و تصلون إلى عالمهم وتضيئون بدواخلهم أولى شمعات الفخر و الاعتزاز بذواتهم .

تكنيك آخر وهو إحياء ذكرى مولد الطفل أو ما يسمى بعيد الميلاد خاصة باتباع طريقة مونتيسوري في تعليم أطفال مرحلة ما قبل الدراسة حيث يعتمد هذا التكنيك أيضاً على فكرة السرد لحياة الطفل عاماً بعد عام وصولاً إلى عام ميلاده . ونستعين بلوحة التسلسل الزمني للطفل يرافقها صورة له في كل عام ونحكي من خلالها أهم إنجازاته المختلفة حسب مراحله العمرية (كأن نقول : في عمر السنة أصبح قادراً على المشي  و ظهرت له سنان لبنيتان و كان يردد بعض المقاطع الصوتية ...)

كلما تدرج الطفل أكثر عمرياً كلما كانت هناك المزيد من الوسائل والاستراتيجيات التي نستطيع أن نتمثلها في سبيل تعزيز تقديرهم  لذواتهم من ضمنها :

مساعدتهم ليكونوا أفراداً مستقلين يمتلكون الحرية اللازمة

سؤالهم المتكرر حول آرائهم فيما يخص حياتهم الشخصية أو الحياة عموماً

تشجيعهم في التعبير عن أنفسهم والحديث حول مشاعرهم و رغباتهم

العمل بآرائهم وتنفيذ أفكارهم على نحو عملي

تقبل واحترام خصوصياتهم

إن نظرة الأطفال نحو أنفسهم وتمكنهم من الكشف شيئاً فشيئاً عن أسرار عالمهم الداخلي يؤهلهم ليكونوا أفراداً متصالحين مع ذواتهم محبين لها تدفعهم بقوة إيجابية إلى تحقيق السعادة رغم الصعوبات و عدم استسلامهم للعوائق و متابعة البحث عن الحلول .. ببساطة سيكونون أشخاصاً فاعلين و قادرين على إدارة شؤون حياتهم دون علات أو انتكاسات نفسية .