قراءة نقدية للكتب الفائزة بجائزة الملتقى لكتاب الطفل 2017

 

 

 

قراءة نقدية في للكتب الفائزة بجائزة الملتقى الناشرين لكتاب الطفلعبدالواحد علواني

كاتب وباحث في ثقافة الأطفال ومقاييس الجودة

 

الإعلان عن جائزة لأي نوع من أنواع الإبداع العلمي أو الأدبي أو الفني، هو عمل نبيل ومسؤول، مشغول بتنمية المجتمع وبناء الأمة، ذلك أن الحضارة تقاس بمنتجاتها الإبداعية ومنجزاتها العلمية، وعندما تتعلق الجائزة بالإبداع الخاص بالطفولة، يضاف إلى ما سبق وعي العمل على الخيارات الكبرى للغد، ذلك أن الاشتغال على ثقافة النشء والأطفال هو تنظيم وتخطيط لغد الأمة، لأن الأطفال هم نصف الحاضرين، وكل المستقبل.

وعندما تأتي الجائزة من تجمع جاد للناشرين المهتمين بالنشر للطفولة، فإننا نكون أمام جائزة نوعية، تتداخل فيها رغبة الارتقاء، مع الجودة والفعالية، ولذلك يكون للجائزة أهمية استثنائية.

في دورته لعام 2017 قدم ملتقى الناشرين العرب جائزته لأعمال ثلاثة، تختلف فيما بينها من حيث الموضوع والفئة المستهدفة والمضمون والشكل، ولكل عمل منها أهميته التي يستحقها، ولا شك أن اللجنة التي اختارت هذه الأعمال قد أجادت وأنصفت، لأنها أعمال تستحق التكريم والتشجيع، حتى وإن اختلفت خبرات العاملين على إنجازها من مؤلفين ومصممين ورسامين ودور نشر.

ولنبين أهمية هذه الأعمال، نذكر شيئاً خاطفاً من مواصفات الجودة المتعلقة بثقافة الأطفال والشباب، ذلك أن أي عمل ثقافي يرتهن لموضوعه والفئة التي يستهدفها، والغايات المرجوة منه، دون إخلال بالذائقة أو مستوى الحواس أو الأفكار الإيجابية أو المقاييس الجمالية.

بالتأكيد فإن جودة الفكرة هي الفيصل الأول، فالفكرة الجيدة هي العنصر المدلل الذي تحتشد من أجله بقية العناصر، ويلتصق بالفكرة في النصوص الأدبية، مستوى اللغة والاهتمام بها وسهولة التعبير والجمل الرشيقة والمفردات الملائمة والتراكيب الواضحة والجميلة، والتشويق وإثارة الرغبة بالمتابعة، والأهم من كل ذلك إثارة الأسئلة في الأذهان الغضة، وخاصة الأسئلة المتعلقة بالمستقبل، لأن الأطفال هم المستقبل الوحيد في راهننا.

ولجودة الفكرة لوازم لابد من الانتباه إليها، فالجودة ترتبط بإمكانية تحقيق الأحلام، والارتقاء في الرؤى، وبناء الشخصية، مع الانتباه للتأثيرات الجانبية التي قد تترك آثاراً سلبية غير مرصودة أو مدركة. فثمة حكايات وقصص انتشرت عالمياً، وامتلكت مسوغات انتشارها، لكن في غفلة عن الأفكار السلبية التي كرستها ربما دون قصد، كقصة سندريللا، التي تزرع فكرة العداء داخل الأسرة، أو قصة ليلى والذئب التي تكرس مفاهيم خطيرة عن الذكورة والأنوثة.

ومن عناصر الجودة الرئيسة، الإخراج الفني، الذي يقوم بأدوار متعددة، خدمة الفكرة وتوضيحها أولها، وثانيها زيادة التشويق ولفت الانتباه، وثالثها فتح آفاق إبداعية إضافية في المنتج الثقافي.

يضاف إلى ذلك، جودة المواد التي تدخل في صناعة ثقافة الطفل، فثقافة الطفل ليست مجرد طباعة، إنما صناعة احترافية بالغة المسؤولية والحساسية، وتتطلب وعيا نوعياً شاملاً، وهو ما يجب أن يتحلى به أصحاب دور النشر أو مسؤولو النشر في القطاعات المختلفة لثقافة التنشئة، لأنهم الوعاء الجامع لكل الإبداعات السابقة، والقناة التي توصلها إلى من هم بحاجة إليها.

في قصة (أين ظلي) لمؤلفها محمد كاظم جواد، ورسوم جلنار حاجو، والصادرة عن دار الساقي في بيروت، الطبعة الأولى 2016، نجد أننا أمام إصدار ملفت بغلافه، فالسؤال مثير للفضول، ومحبب للناشئة بمراحلهم التي يتقلبون فيها، والرسوم بسيطة تحاكي رسوم الأطفال، وإخراج هذا الإصدار أيضاً مميز بقطعه غير التقليدي، إضافة إلى جودة الورق والتجليد والطباعة، عمل ينافس أفضل الإصدارات العالمية في صناعته، يتحدث المؤلف عن الظل، الظاهرة التي تشغل أذهان الأطفال جميعاً، مستعرضاً حالات الظل وارتباطها بالضوء وزاويته، وإن كانت القصة تفتقد عنصراً رئيسياً من عناصر القص، وهو الحدث الرئيسي، فإن الظل بالنسبة للأطفال هو بحد ذاته قصة، النص مبني ببساطة متناهية، وبجمل رشيقة واضحة، والرسوم فيها خيال طفلي مميز تضيف إلى النص المزيد من التشويق، عناصر الخبرة تجتمع في هذا الإصدار وتعطيه أهمية استثنائية تليق به.

وفي قصة (النافذة المفتوحة) لكاتبها مهند العاقوص، ورسوم فرشته نجفي، الصادرة عن دار البراق لثقافة الأطفال/ بغداد 2016، نجد أن الإصدار لا يقل عن القصة السابقة جودة في الإخراج والتصنيع، وثمة إضافة مميزة متمثلة في نسق الكتابة المطبوعة، حيث تخرج بعض السطور من أفقيتها، لتتعرج متداخلة بين الرسوم ومتكيفة معها. القصة بنصها متميزة أيضاً بعدة ميزات، ذلك أنها تهتم بالواقع المؤلم الذي يعيشه الأطفال في هامش الحروب الطاحنة وموجات العنف المدمرة، وكيف يتعاطى طفل موهوب مع هذه الأحداث، ويرسم نافذة للأمل تنقله من الحرب وبشاعاتها، إلى مجتمع آمن وجميل، الحلم الذي يبدو وشيكاً ليس بتطمينات الجد والجدة فحسب، إنما برغبة الطفولة الجارفة في نهاية الحرب وبداية الحياة. وبموازاة النص الجميل، نجد رسوماً مشغولة بعناية، وبأسلوب مبتكر وتقنية جديدة، لتضيف المزيد من الأمل، رسوم زاهية مشرقة تحيل الجو المكفهر لنار الحرب، إلى أجواء دافئة لغد جميل. هذا الإصدار له أهميته أيضاً، فالرؤية التقليدية التي كانت تحرص على حجب حقيقة العنف التي تسود حياة البشر، لم تنقذ الأطفال من التعرض لأقسى موجات العنف، فعدد القتلى من الأطفال في شرق المتوسط وشمال أفريقيا، بلغ أرقاماً قياسية لم تبلغها في يوم الأيام في الماضي. من حق الأطفال أن يعرفوا أن الحرب مدمرة، وإنها قد تبدأ بسهولة، لكنها لا تنتهي بسهولة.

وثمة رسالة كبيرة يمكن فهمها من سياق حلم طفل بالأمن والسلام، وهي أن الحرب والسلم كلاهما يبدآن في الذهن، ثم يتجسدان في الواقع.

في رواية (إجازة اضطرارية) لكاتبتها ميس داغر، والموجهة للفتيان، والصادرة عن دار الأهلية/ عمان 2016، نجد أنفسنا بين تفاصيل حكاية بسيطة وتقليدية، قصة حب من طرف واحد، وفي الخلفية حكاية شعب يحاول الحياة على الرغم من الظروف البائسة والصعبة، حكاية الحب التي تمر في مفاصل طريفة حيناً ومؤلمة حيناً، وفي سياق سرد أشبه بالمذكرات اليومية، وبلغة بسيطة وتفاصيل عادية لا تثقل على القارئ، الحكاية التي تسفر عن القيم المهيمنة على مجتمع يحاول التأقلم مع أدوات عصر جديد من المعرفة والمعلوماتية، وبنفس الوقت تلبية طموحات تاريخية بتحقيق واقع منصف وعادل. ولعل أهم ما يأتي في سياقها تلك العلاقات في إطار الأسرة والحي، فثمة تحول إيجابي، وتفهم وتفاهم لم يكونا مألوفين سابقاً، ربما لا تدخل الرواية في مفاصل مفاجئة، لكنها بنفس الوقت تحافظ على انسجام قارئها معها، لأنها تنساب دون تكلف.

بطلة هذه الرواية لا تدخل أحداثاً تخصها، لكنها بحضورها المرح والمسؤول، تساهم في تحقيق أمنيات قارئ النص، في حلول بسيطة ومؤثرة وواقعية، تقدم مشهداً حياتياً لا يرتبط في بدايته أو نهايته بخطب جلل، أو تحول درامي، إنما سياق من الأحداث والمواقف اليومية والمتتابعة صعوداً ونزولاً..

الأعمال الثلاثة تختلف فيما بينها، لكنها تنتمي إلى الفضاء نفسه، وترتبط بهواجس اللحظة، من ظاهرة تشكل اكتشافاً مثيراً للطفل في كل وقت، إلى واقع إقليمي أليم لا يفلح في سلب الأطفال تفاؤلهم بالغد، إلى تفاصيل صغيرة لا تقل أهمية عن الأحداث في سياق سرد مبسط.

وإن كنت لم أطلع على بقية الأعمال المرشحة، والتي قد لا تقل جودة، إلا أن كل عمل من هذه الأعمال الفائزة يملك من وجاهة الأسباب ما يبرر حصوله على جائزة. لكن هذه الحال أتمنى أن تكون أفضل في السنوات القادمة، مع ارتقاء الحالات الإبداعية، وما يواكبها من إبداعات تتأسس عليها، وجدية الإدراك والاهتمام بثقافة الناشئة، وخاصة في ظل المفرزات الخطيرة للأحوال الراهنة إقليمياً ودولياً، مع التركيز على مواجهة الأخطار المحدقة بالبشرية، كصعود التطرف وتدمير البيئة وانتشار الحروب والأوبئة الحديثة، وإن كانت هذه الأخطار نتيجة سياسات خاطئة، فإن الحد منها والقضاء عليها يبقى مرتهناً بأجيال جديدة تملك الوعي الكافي بأن المعركة الوحيدة على سطح هذا الكوكب التي ينبغي أن تكون، هي الحرب ضد البؤس بأشكاله، واستثمار البيئة لتفي بحاجة البشر بدلاً من صراعات الندرة في الماء والغذاء والطاقة.

ولدي أمنية بأن تلقى هذه الجائزة المزيد من الاهتمام من الجهات المتنفذة والمسؤولة، لتكون أكثر أهمية، سواء برفع قيمتها المادية، أو من خلال دعمها لتتمكن من رصد معظم ما ينتج.

ثمة أجيال اليوم ثقافتها تبنى بعيداً عن أنظارنا، مع أننا نشاطرهم كل تفاصيل الحياة، ثمة نوافذ مشرعة على كل طيب وخبيث، وثمة انكشاف وتشويه ينقلان الأجيال الجديدة بغتة إلى ثقافة أخرى، ومراحل عمرية لم يحن أوانها.

ما يجب اداركه أيضاً أن لا مشاحة في تطور أدوات نقل المعرفة وأوعيتها، لكن الكتاب الذي لا يزال يطبع بكميات هائلة وبعناوين وفيرة في الثقافات المنتجة لأدوات المعرفة الحديثة، وهذا دليل يؤشر إلى الإهمال الشديد الذي ينتشر في مجتمعاتنا النامية، من قبل الأفراد والمؤسسات، ذلك أن دور النشر دون شك مستعدة لتلبية حاجة الأجيال الجديدة عندما تقبل عليها المؤسسات المعنية بالتخطيط للمستقبل، أو عندما يهتم لأمر ثقافة الأطفال ولاة أمورهم وآباؤهم وأمهاتهم، كما يهتمون بتغذيتهم وتعليمهم. فمهنة النشر تزدهر في ظل الوعي والاستقرار والخطط المستقبلية الطموحة، لذلك ليس من الغريب أن تباهي الشعوب غيرها بعدد منشوراتها وقرائها.