حركة النشر العربية.... طموح لا يتوقف الباحث: عبدالله صالح حامد

حركة النشر العربية.... طموح لا يتوقف

الباحث: عبدالله صالح حامد

جاءت كلمة النشر في المعاجم العربية القديمة بمعاني حضارية مميزة ، من أبرزها ، أنه : الريح الطيبة ، والحياة ، والانتشار والذيوع ، وهذه المعاني تبين لنا أهمية نشر الكتاب ودوره في إحياء الأمم ونهضتها وتقدمها ، عن طريق ريح العلم الطيبة ، التي تحي الأمم وترفع مكانتها وتقوي ريادتها ، وهذه المعاني تؤكد على المسئولية الحضارية الملقاة على عاتق الناشرين ، وضرورة التزامهم بالمفيد والجديد والأصيل الذي يؤدي إلى نهضـة أممهم وإحياء شعوبهم ، وتحررهم من نير الجهل والتخلف ، واخراجهم من ربقة الخرافات إلى نور العلم ورفاهية التقدم .

وأما المعاجم الحديثة فتعرفه بأنه : طبع الكتب والصحف وبيعها ، وهذا التعريف فيه تضييق لمعاني النشر ، فمفهوم " النشر " ينبغي أن يتسع  ليشمل ويستوعب كل الأوعية الثقافية والمعلوماتية ، كالكتاب والدورية .. الخ، سواء بأشكالها الورقية أو الالكترونية ، وذلك تأليفاً وطباعـة وتسويقاً ، حتى يغطي كل ما يبث الثقافة النافعة التي تعمل على إحياء المجتمع وازدهاره ونهوضه .

إن معيار تقدم الأمم وازدهارها يعرف بمدى الانتاج العلمي والثقافي والمعرفي فيها ، ويتجلى ذلك الإنتاج فيما ينشر لديها ، ومما هو جدير بالملاحظة ضخامة النشر وكثافته لدى الدول المتقدمة ، حيث تفيد احصائيات اليونسكو أن نسبة انتاج الوطن العربي من الكتاب إلى الانتاج العالمي ظلت خلال ربع قرن 0،9% في حين بلغت نسبة انتاج أوربا من الانتاج العالمي للكتاب 50% خلال الفترة نفسها ، فمن هذا يتضح أن معدل إنتاج الكتب في الوطن العربي يعتبر هزيلاً للغاية . وبحسب "تقرير التنمية الثقافية" فإن عدد كتب الثقافة العامة التي تنشر سنوياً في العالم العربي لا تتجاوز الـ5000 عنوان ، أما في أميركا ، على سبيل المثال، فيصدر سنوياً، حوالى 300 ألف كتاب ، وبمعادلة أخرى فإن معدل انتاج الكتب  في أمريكا 265 كتاب لكل مليون نسمة ، و802 في أوربا ، و513 على مستوى الدول المتقدمة ، و55 على مستوى الدول النامية ، وأما في الوطن العربي فقد تدنى الرقم ليصبح 29 كتاباً لكل مليون عربي .

وحتى نبني حركة نشر عربية طموحة وفاعلة ، تحتاج إلى كثير من الأفكار ومن ضمنها :

*   ضرورة تفعيل الاتفاقيات العربية وتنفيذها.

 الاهتمام بمركز التوثيق والمعلومات بجامعة الدول العربية ، حتى يقوم بدور أكثر إيجابية تجاه حركة النشر العربية ، وأن يعمل على متابعة وتنفيذ التوصيات التي تم اتخاذها في هذا الشأن .

  الاتفاق بين الدول العربية على تخفيض نفقات شحن الكتب والدوريات بنسبة كبيرة ، وذلك لتسهيل وإثراء حركة النشر العربية .

  توحيد قوانين وأنظمة النشر بالدول العربية بحيث إذا حصل الكتاب على تصريح بالنشر في أية دولة عربية، فإن هذا التصريح يتيح له دخول كافة الدول العربية دون حاجة إلى موافقات أخرى .

  إلغاء القيود الجمركية بين دول الوطن العربي ، ومعاملة الكتاب على أنه ضرورة حضارية لبناء المجتمعات وحمايتها ، وليس سلعة تجارية تخضع للعرض والطلب .

  إنشاء نوادي للكتاب في البلاد العربية التي تفتقر إليها ، فقد ثبت فائدتها في الدول التي أقامتها ، ولكن ينبغي أن تقام بالمفهوم الصحيح ، وهو أن تعمل لصالح العضو وليس لصالح ناشر واحد ، وأن تنال استقلالية حقيقية لتمارس عملها بصورة صحيحة .

  حث قطاع المال والاعمال بتقديم دعم سخي لإثراء حركة النشر ، واستحداث قوانين لتشجيع هذا الاتجاه ، بتقديم تسهيلات لهم ، واعفاءات تتناسب وجهودهم في مجال النشر بمختلف أنواعه .

  الاهتمام بالكتاب العربي وبذل الجهـد في الارتقاء بــه شكلاً ومضموناً  .

  ضرورة التنسيق بين معارض الكتاب التي تقام في الوطن العربي ، وذلك حتى تتم مشاركة أكبر عدد من دور النشر .

  القضاء على الأمية الثقافية في كل أرجاء الوطن العربي ، فهي العدو الأول للكتاب .

  إنشاء المزيد من المكتبات في الوطن العربي ، فالملاحظ أن معظم المدن العربية تعاني من ندرة المكتبات ، بينما نجد الاهتمام الكبير بهذه المكتبات في دول العالم المتقدم ، فعلى سبيل المثال : فإن عدد المكتبات في الولايات المتحدة قد يربو على أربعمائة ألف مكتبة ، بما في ذلك المكتبات المدرسية ، وفي الاتحاد السوفيتي المنحل كان عدد المكتبات يدور حول نصف مليون مكتبة .

  زيادة ميزانيات المكتبات القائمة ، وذلك لشراء المزيد من الكتب ، وللأسف فإن الاتجاه السائد الآن نحو تخفيض هذه الميزانيات ، بينما العكس هو المطلوب ، فالمكتبة تعمل على تنمية المجتمع وتحافظ على هويته وشخصيته ودوره الحضاري ، فضلاً عن إثرائها لحركة النشر .

  ضرورة تحويل مجتمعاتنا العربية إلى مجتمعات قارئة ، والفشل في هذا الأمر يعني فشلنا في بناء حركة نشر عربية قوية وفعّالة .

  تفعيل دور الاعلام إزاء حركة النشر العربية ، فمن الملاحظ ان الاعلام لا يهتم بالكتاب العربي إلا في المناسبات المعروفة ( معرض كتاب وما شابه ) ، والمطلوب منه أن يكون اهتمامه بالثقافة هو الغذاء اليومي الذي يقدمه لأبناء الأمة العربية .

  ميدان النشر ميدان خطير وهام ، ولذا لا يمكن أن يترك للارتجال والصدفة ، وإنما ينبغي أن نكثف الدراسات حوله ، حتى نتعرف عن كثب على إيجابياته وسلبياته ، فنعالج السلبيات ونفعّل الايجابيات .

  توظيف شبكة الانترنت لخدمة حركة النشر العربية ، وذلك في مجالات كثيرة أهمها : نشر وتوحيد الببليوجرافيات العربية ، وإنشاء مواقع لفضح المزورين ، والتحذير منهم ، وإنشاء مكتبة عربية إلكترونية موحدة تضم التراث العربي الشامل لكل الدول العربية ، ويتم تحديثها باستمرار ، وتكون بمثابة مرجع عربي شامل .