بين الأبداع والثقافة ......الحكاية الشعبية في المجتمعات العربية

 

     إعداد:

  • سايبي أعدودة
  • بوحاس طاوس

مخبر التماثلات الفكريةوالأدبية

      جامعة مولود معمري – الجزائر 

 يشكل الموروث الحكائي الشعبي في العالم العربي عاملا مهما في الحفاظ على الهوية الوطنية. ورافدا من روافد التنوع الثقافي والإبداع البشري باعتباره الوعاء الذي حافظ فيه الإنسان على حياته. وهو ينم عن قدرة السارد الشعبي على استثمار كل ما يملكه من مادة شفوية بوجه خاص. لقد أصبحت الحكاية اليوم مكونا أساسيا من مكونات الثقافة الشعبية لما اشتملت عليه من دلالات ووظائف تعكس واقع الإنسان وحالته الاجتماعية والثقافية والأخلاقية.

فيا ترى ما أهم الوظائف التي تنطوي عليها الحكاية؟ وما دورها في تثقيف وتوعية المجتمع؟

    تعد الوظيفة في العمل الأدبي من أبرز القضايا التي لقيت اهتماما رحبا وواسعا من قبل الباحثين والدارسين خصوصا في إطار نظرية الأدب، بعد أن كان البحث في ماهية الأدب مفهوما ونشأة وتطورا محور اهتمام الباحثين والنقاد من العصر الإغريقي الى العصر الحديث. إلا أنه من الضروري على هؤلاء الاطلاع على آراء "أرسطو" فيما يتعلق بالوظيفة النظرية للأدب وآراء "هوراس" الذي حصر وظيفة الأدب في الفائدة أو المتعة أو في الجمع بين الفائدة والمتعة"1 هذه الوظيفة التي أصبحت اليوم أكثر اتساعا فلم تعد تقتصر على الوظيفة الأخلاقية بل فتحت المجال لوظائف أخري لا تقل أهمية عن هذه الأخيرة التي تعكس شخصية الإنسان والمجتمع في الوقت نفسه منها الوظائف التعليمية، الجمالية...ومن بين الأنواع الأدبية التي تحمل في طياتها هذه الوظائف نجد "الحكاية".

    يمكن تحديد الوظائف التي تؤديها الحكاية في أربعة وظائف منها:

  • الوظيفة والتعليمية والتربوية.
  • الوظيفة الترفيهية.
  • الوظيفة النفسية.
  • الوظيفة الثقافية.
  • وظيفة النقد الاجتماعي.

الوظيفة التعليمية:

    تعتبر الحكاية نشاط اجتماعي تواصلي تنم عن سلوكيات الفرد وعلاقاته بالآخرين. كما تعكس رصيده التربوي وتعمل على ترسيخ القيم الأخلاقية والدينية، وغرسها في الذاكرة الجماعية. على حد قول "سعيدي محمد" "فالحكاية في تناولها لطبيعة العلاقات الاجتماعية فهي تنوه بأخلاق البشر الحميدة وعلاقاتهم فيما بينهم وواجباتهم كل واحد إزاء الجماعة التي ينتمي إليها كما تعمل على غرس قيمة الصبر في نفسية الإنسان الذي سيوصله إلى حالة انفراج. وهو ما نلمحه في بعض الحكايات أين يتعرض البطل إلى جملة من الحواجز والعوائق. ولكن بالصبر والذكاء يصل إلى هدفه. شأنه في ذلك شأن الإنسان العادي أي يصادف في حياته جملة من العوائق والمصائب ولكن بالصبر يحقق كل طموحاته ويتجاوز كل المصاعب. وتعلق نبيلة إبراهيم على ذلك بقولها "الحكاية المحكمة البناء قد صاغها الخيال الشعبي على هذا النحو ليؤكد بها قيمة الصبر في حياته. فالإنسان العاقل بالنسبة للشعب هو ذلك الإنسان الصابر على مشاق الحياة والعكس صحيح فمن لا صبر له لا عقل له.

الوظيفة الترفيهية:

    هناك بعض الحكايات تروى بهدف التسلية والترفيه فقط. والحكايات الأخرى لا تكاد تخلوا من عنصر التسلية والمتعة. ولعل الهدف وراء ذلك هو جذب المستمع وتقوية العلاقة بين الراوي والمتلقي. فكثير من الناس يجد منها فيها ملاذا ومنفذا للتنفس وفي هذا يقول "عمر الساسي" أما عن الوظيفة التي تؤديها الحكاية للفرد والجماعة واسم المنهج مشتق من الوظيفة. فمن المحتمل ان تكون التسلية والمتعة ليس في النادرة أو الحكايات المرحة فقط وقد يكون فيها جدية ولكم في مختلف أنواع الحكاية أيضا، وهو ارتباط عاطفي مشدود بين الراوي والمتلقي.

وظيفة النقد الاجتماعي:

   إلى جانب الوظائف السابقة نجد الوظيفة النقدية ذات الطابع التعليمي. فهي تعالج بعض الآفات الاجتماعية كالغدر والخيانة، هادفة بذلك لمحاربتها بأسلوب قصصي مسلٍ كما تعلمنا التحلي بالأخلاق الفاضلة والتمسك بالقيم السامية. كما يتجلى في حكاية "المتكسي والعريان" من خلال أحداث القصة عند خداع وخيانة الرجل الفقير للغني ورميه في البئر. مع ذلك يعفو عنه الرجل الغني لحكمته ولكن الرجل الفقير يعود لحيله وينال مصيره في النهاية لينتصر بذلك الخير على الشر. فهذه الحكاية تعلمنا معنى التسامح. وضرورة التمسك بالأخلاق الحسنة. وحسن التعامل مع الأمور بطريقة سلمية أخلاقية بعيدا عن العنف. ويقول في ذلك "عمر عبد الرحمن الساسي "هناك وظيفة للحكاية التي اتفق عليها علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا والفلكلور وهي الوظيفة التعليمية حينما توجه لصغار السن من الأطفال والمعلمين أو النقدية في حالتها المطلقة وذلك من خلال محاربة القيم الاجتماعية من الخجل وكسل أو طمع أو خيانة أو بلادة.

 الوظيفة النفسية:

     تلبي الحكاية الشعبية الحاجات النفسية والبيولوجية والتنمية السيكولوجية ، وتنفس عن المكبوتات والرغبات التي لا يمكن ممارستها في الواقع لكونها تتعارض مع القيم المجتمعية أو أنها تخرج عن حدود القدرة الذاتية المحدودة للطبيعة البشرية بحيث يمكن قطع المسافات البعيدة برمشه عين ويمكن تحقيق الأحلام والأهداف بسرعة خارقة وتخلق عالماً مثالياً تزول منه كل العوائق التي تحد من تحقيق ذات الفرد ، وهو بمقدار ما يحقق عن طريقها ذاته ، وتواصله مع الآخرين ومشاركاتهم في الأحاسيس والمشاعر وفي أسلوب التعبير عنها ، ومن هنا" فأن الفرد وهو يشارك في عملية القص يجد متعة وراحة نفسية.

الوظيفة الثقافية:

 تساهم الحكاية الشعبية في تثقيف الفرد لأنها تحمل إليه الحضارة من الأجيال السابقة وثقافتهم بقسميها المادي المتمثل في كيفية ملبسهم ومشربهم ومأكلهم وأعمالهم وغيرها. واللامادي المتمثل في تراثهم الغني الذي يزخر بتقاليد وعادات وجب عليهم الحفاظ عليها. لذلك يمكننا القول بثقة واطمئنان إن الحكايات الشعبية تعتبر مصدراً ثقافياً للأجيال المتتالية تحمل إليهم العمل والطموح وتعلمهم قهر المستحيل، وتدربهم على التصور الواسع كما تحمل إليهم القواعد الأخلاقية والقيم والمثل العليا لترسيخها في عقولهم.

والملاحظ على هذه الوظائف التي تؤديها الحكاية الشعبية هو تداخلها فيما بينها، فقد تكون رواية الحكاية في جانب من جوانبها وظيفة عقائدية عند فئة من الناس، وتمنح الآخرين المتعة والتسلية وقد تكون ذات وظيفة نفسية وترفيهية وتثقيفية أو قد تؤدي جميع هذه الوظائف في وقت واحد. إذن يمكن القول إن وظيفة الحكاية الشعبية تكمن في التعليم والتربية والترفيه والنقد والوظيفة النفسية. أما الوظائف الأخرى تتميز بالتغير حسب مكان وزمن الحكاية ونوع المجتمع باعتباره المغذي الأول للحكاية.

    خلاصة القول نستنتج أن الحكاية الشعبية تلعب دورا مهما في تثقيف وتوعية الشعوب من خلال تعليمهم الأخلاق الحسنة. وبيان الطريق الصحيح والأمثل في معالجة قضاياهم ومشاكلهم.