بالقراءة نرتقي - أحمد سوالم - المغرب

 

بالقراءة نرتقي

أحمد سوالمة

 

أَعَزُّ مَكَانٍ في الدُّنَى سَرْجُ سَابِحٍ

وَخَيْرُ جَلِيْسٍ في الزَّمانِ كِتابُ

 أبوالطيِّب المتنبِّي

هي كلمات جميلة للشاعر العربي المتنبي، تسأل الواقع الحالي :هل مازال خير جليس في الزمان كتاب؟

ترتقي الشعوب والأمم في شتى مجالات الحياة بالعلم والفكر، وما انثج ابنائها لخذمة الانسانية. فأوروبا استطاعت ان ترتقي الى مراقي المجد في النهضة والتقدم بفضل كتابها وفلاسفتها وعلمائها وتطور العلوم بها من خلال النهضة الاوربية التي اعلت من قيمة الانسان،فمهدت بذلك لثورة صناعية ادخلتها للعصر الحديث واخرجتها من العصور القر وسطية عصور الانحطاط الفكري والعلمي والجمود العقلي.

فالشعوب تحقق التنمية سواء اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية، بفضل اهتمامها بتعليم ابنائها،التعليم الذي يعد مفتاح القضاء على الفساد والنهوض بالدولة،من خلال الاهتمام بالكتاب والقراءة بهدف تنشئة جيل متعلم،واع برهانات مجتمعه وقادر على مواجهتها.

و الاهتمام بالقراءة والكتاب قديم قدم الانسان، والشواهد على ذلك كثيرة ولكن سنكتفي بثلاث اشارات .   

 الأولى،من الحضارة اليونانية حيث قيل لأرسطو : كيف تحكم على إنسان ؟ فأجاب أسأله كم كتاباً يقرأ؟ وماذا يقرأ؟

الثانية،من الحضارة الاسلامية حيث أن أول آية نزلت على الحبيب المصطفى قوله تعالى:" أقرأ باسم ربك الذي خلق "وكثيرة هي الاشارات والعبارات الموجودة في القرآن الكريم التي تعلي من قيمة العلم والعلماء.

الثالثة،من الحضارة الأوربية،حيث ‏سُئل فولتير:عمن سيقود الجنس البشري ؟ فأجاب: الذين يعرفون كيف يقرؤون  ‎.

فالقراءة في كل المجتمعات الانسانية عنوان الرقي والحضارة، فالمجتمعات التي تقرأ، هي التي تكتب وهي التي تدور الآلات في مطابعها لنشر ما كتب وتوزيعه،  وهي التي تصنع .فالقراءة عنوان لمجتمع مثقف واع برهاناته وقادر على العطاء والبذل وتنوير البشرية، فعندما كان للعلم قيمة في مجتمعاتنا العربية ظهر بيننا ابن سينا والفارابي وابن رشد و... اسماءهم وانتاجهم شاهد على عمق الحضارة الاسلامية خلال فتراتهم.

اليوم في زمن العولمة ووسائلها الحديثة،التي تتيح المعرفة بأسهل السبل،نجد مجتمعنا العربي في مراتب متأخرة في معدلات القراءة على المستوى العالمي،ما يعكس فشل السياسات التعليمية في الوطن العربي في بناء أجيال مرتبطة بالكتاب وبالقراءة،حتى يستطيع مواجهة التحديات التي تواجهه. وهذا الواقع تعضده الأرقام الصادرة عن مؤسسات عربية ودولية، ما يفرض علينا البحث في الأسباب للوصول الى الحلول.

أرقام مفزعة

تبرز لغة الارقام عمق أزمة القراءة في الوطن العربي،وما عليك عزيزي القارئ سوى محرك كوكل سيطالعك بأرقام مفزعة وتقارير صادمة عن واقع القراءة في بلداننا،ونرى ان اعادة ادراجها في هذا المقال هو تكرار لما هو متاح وذلك ما نعمل على تجنبه،لذلك سنكتفي فقط بأرقام مقتضبة للوقوف على واقع القراءة بالبلاد العربية.

757 مليون أمي عالميا منهم100  مليون عربي.

كل 80 مواطنا عربيا يقرأون كتابا واحدا في السنة، في حين يقرأ الأوربي 35 كتابا سنويا.

يقرأ العربي 6 دقائق سنويا بينما يقرأ الأوربي 200  ساعة.

لابد أن لتدني مستويات القراءة في العالم العربي من مسببات، ما يفرض ضرورة البحث عن الحلول الممكنة لأن الأمم تبنى بالعلم والمعرفة وليس بالجهل والأمية. فماهي أسباب تدني نسب القراءة في الوطن العربي؟ وماهي الحلول الممكنة لتجاوز هاته الوضعية؟  

تعددت الأسباب والحصيلة واحدة مجتمع لا يقرأ

تبين المؤشرات الرقمية السابقة،تدني معدلات القراءة في الوطن العربي ما يهدد مستقبل هاته المجتمعات في تسيير شؤونها السياسية والاقتصادية والاجتماعية،  ويهدد الثقافة والحضارة العربية الاسلامية ومسايرتها لهذا الزمن المعولم،ما يفرض علينا محاولة سبر أسباب عزوف الشباب العربي عن القراءة مع اشارتنا أن هذا التشخيص تناولته مجموعة من الأقلام،ولا ندعي في ذلك الاتيان بالجديد وانما تحقيق الاضافة واعادة التنبيه لهاته الاسباب،حتى نتلمس الحلول لتجاوز هذا المشكل الذي يهدد المستقبل الحضاري للعالم العربي الاسلامي،لأن الأمم تبنى بعقول البشر وليس بالحجر.

يتداخل في عزوف الشباب عن القراءة، ماهو ذاتي وماهو موضوعي، ماهو خاص وماهو عام،ما يتعلق بالسياسات العمومية وما يتعلق بالأفراد وميولاتهم،  ماهواقتصادي وماهو اجتماعي .

ويعد ارتفاع معدلات الأمية في معظم الدول العربية، من أهم الأسباب المساهمة في تدني معدلات القراءة.ولبناء مجتمع قارئ ينبغي نهج سياسة عمومية للقضاء على هاته الآفة.يضاف اليها السياسات التعليمية الفاشلة التي يكثر فيها الهدر المدرسي،  والتي تعتمد على مناهج ونظريات لم تستطع بناء الشباب القارئ،لكونها لا تعتمد على الموسوعية بل تعتمد على النمذجة,ناهيك على أن جودة هذا التعليم هي موضوع تساؤل،والسياسات العمومية لا تهتم ببناء المكتبات وجعلها فضاءا جذابا للشباب وليست مجرد بنايات فارغة من الروح .

كما ساهم التطور الذي عرفه العالم،خصوصا اكتساح المحطات الفضائيات في جعل النشء يقضي أوقات كثيرة أمام التلفاز مابين مسلسلات وأكشن ومسابقات غنائية،  والبحث عن الشهرة بأيسر الطرق بعيدا عن الكتاب وتعبه،خصوصا ما يراه الشباب العربي أن أسهل طرق للوصول للغنى والشهرة هي الغناء والرياضة أما الثقافة،  فالبادي والداني يعرف حال مثقفينا البئيس.

كما أن الورقي من كتب ومجلات يعاني ومهدد بالزوال في ظل منافسة الرقمي،  وأن الاجيال التي تنتعش برائحة الورق في طريقها للزوال تاركة المجال لأجيال النت والفيس.

يضاف الى ذلك النزعة الاستهلاكية للشباب،الذي تربى على الجاهز،الأكلات الجاهزة وو..وبالتالي حتى المعرفة يريدها جاهزة بعيدا عن تعب البحث والمطالعة والقراءة،ويضاف الى ذلك العامل المادي وعدم قدرة الشباب على اقتناء الكتاب،  في ظل واقع اسر تعاني مع مشاكل اليومي والخبزي خصوصا في الدول العربية غير النفطية.وتعد الثقافة والقراءة ليست من الاولويات بل شيئا هامشيا ان لم نقل منعدما .

الأسباب كثيرة،والمحصلة واحدة أمة إقرأ لا تقرأ.لكن هل هاته الاسباب تعد مبررا لتدني مستويات القراءة بالعالم العربي ويجب التسليم بها؟ لا..وألف لا ..فالعولمة والرقمي والفضائي وو..ليست مبررات فالدول المتقدمة هي أكثر اندماجا في العولمة من مجتمعاتنا، وهي صانعة الفضائي والفضائيات ولكن تحتل معدلات مهمة في مستوى القراءة،لأنها تعي بأن بالقراءة نرتقي .ما يجعل من واجبنا تجاه أنفسنا وتجاه أمتنا،أن نبحث عن الحلول لتجاوز هذا المشكل من أجل مستقبل الأجيال القادمة.

حلول تحتاج التفعيل

ان ايجاد حلول لمشكل تدني نسب القراءة في الوطن العربي،هي مسؤولية جماعية على عاتق الافراد والاسر والجمعيات والمدارس ومؤسسات الدولة على اختلاف توجهاتها،من خلال التشجيع على القراءة في مختلف الفضاءات،بتوفيرالكتب والجرائد والمجلات المجانية في محطات القطار ومحطات الحافلات وانشاء المكتبات،انطلاقا من المكتبة المنزلية الخاصة بالاسرة مرورا بالمكتبات المدرسية وصولا للمكتبات العامة ومعارض الكتب المحلية والوطنية والدولية،من اجل خلق جيل قارئ،مع ضرورة التركيز على الاطفال لانهم عنوان الحاضر والمستقبل مع ضرورة انخراط المؤسسات الاعلامية بشتى أنواعها المكتوبة والمسموعة والمرئية في هاته العملية،من خلال التعريف بالإصدارات الجديدة والقيام بمسابقات تروم تنمية القراءة.

أما واجب الدولة،فيتجلى بالاهتمام المثقفين وتشجيع الاصدارات،وتخصيص جزء من الدخل الوطني لخدمة الثقافة والكتاب وأهله،من اجل غذ أفضل. وتعد الامارات العربية المتحدة رائدة في دعم القراءة من خلال مبادرة "تحدي القراءة العربي"،  التي أطلقها الشيخ محمد بن راشد ال مكتوم،والتي تنطلق من المدرسة لصناعة الأمل في المستقبل من أجل جيل قارئ يتخذ الكتاب رفيقا،وفي ذلك يقول أمير دبي وصاحب المبادرة محمد بن راشد ال مكتوم: " غرس حب القراءة في نفوس الصغار هو غرس لأسس التقدم والتفوق لبلداننا".