الكتاب بين الورقي والالكتروني ، الأستاذ صلاح الشهاوي

الكتاب بين الورقي والالكتروني

صلاح عبد الستار محمد الشهاوي

* باحث بالتراث العربي والإسلامي /عضو اتحاد كتاب مصر

مازال الكتاب الورقي اليوم هو الأصل والمرجع الذي لا يُستغنى عنه، ولا يزال يحتل مكانة مرموقة ويتبوأ موقع الصدارة في نفوس القراء والمثقفين والكتاب والأدباء رغم تطور الطرق المعلوماتية.

فالكتاب الورقي سيبقى موجوداً، ولن يستطيع الكتاب الإلكتروني إزاحته عن عرشه، وسيبقى القارئ يجد متعة نفسية في الكتاب الورقي حيث تجعله القراءة من الكتاب الورقي يشعر بسعادة كبيرة ويتعامل مع الكتاب باعتباره جزءاً منه، بعكس الكتاب الإلكتروني الذي يترك صاحبه لمجرد انقطاع التيار الكهربائي أو حدوث أي عطل في جهاز الحاسوب.

فخلال معارض الكتاب التي أقيمت هذا العام بدول الاتحاد الأوروبي والتي نظمت المعارض والفعاليات على هامشها (2800 ندوة شارك فيها 1100 باحث ومفكر وأديب وشاعر من أنحاء العالم كافة)، كانت النقاشات في معظمها تدور حول الكتاب الإلكتروني ومكانته مستقبلاً، وهل سينهي الكتاب الورقي أم لا؟
ورغم النقاشات الكثيرة التي دارت حول الموضوع لم يتوصل المهتمون بهذا الأمر إلى قرار واضح، لكن الجميع كان متفقاً على أهمية الكتاب الورقي باعتبار أن له مذاقاً خاصاً، وأنه من الصعب استبداله بالكتاب الإلكتروني، أو ما يعرف بالـ e book، وقد استعرضوا خلال نقاشاتهم تجربة الصين التي قررت في 2008- 2009م أن يكون الكتاب المدرسي والجامعي كتاباً إلكترونياً بدلاً من طباعة مئات الملايين من الكتب، لكن التجربة فشلت لأن ذلك يعني توفير مئات الملايين من أجهزة الكومبيوتر للطلاب، زد على ذلك الأعطال التي ستحدث للكمبيوترات مما سيعيق الدراسة، ورأى هؤلاء أنه لا يمكن أن ينتهي الكتاب الورقي، والسبب كما أرجعوا ذلك إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية التي يستخدم فيها كل ثمانية أشخاص من أصل عشرة الإنترنت زاد حجم طباعة الكتاب الورقي سنة 2009م إلى 11%، وهذا يعني أن الطلب على الكتاب الورقي لا يزال مستمراً رغم سعره المرتفع ورغم العوائق التي تقف أمامه.
والسؤال هو إذا كانت المتعة بتقليب الصفحات لم تختف بعد فهل للحداثة أن تهدد عالم الكتاب الورقي؟ وللوقوف على حقيقة الأمر قامت صحيفة لوفيجارو الفرنسية بالتعاون مع معهد واي للرأي باستفتاء حول هذا الموضوع بتوجيه سؤالين بسيطين إلى الفرنسيين.

الأول: على ماذا تعتمدون غالباً في قراءاتكم؟.

الثاني: عن العلاقة المستقبلية بهذا الصدد؟.

- فكانت إجابة السؤال الأول: نعتمد الكتاب الورقي، لأن الورقة لم تمت، ويرى الرأي العام أن المستقبل ما زال رحباً أمام الورق، فتسعة فرنسيين من أصل عشرة يقرؤون اليوم الكتاب بنسخته التقليدية وورقه المألوف، وهذا الرقم مهم جداً، كما أنها المرة الأولى التي يقوم بها معهد مختص بإجراء سبر في قراءات الناس اعتباراً من عمر الثامنة عشرة وما فوق.

- وإجابة السؤال الثاني: كانت له دلالته أيضاً إذ أن فرنسياً من أصل خمسة يرى أنه سيقرأ الكتاب الرقمي مستقبلاً، والأولوية لشاشة الحاسوب 11%، و7% على e-book، و2% فقط للهاتف النقال، ومثلها للسماع على أقراص CD، وفي المقابل هناك شريحة واسعة أعرضت عن فكرة القراءة على الشاشة أياً كان نوعها، وقد بلغت نسبة هؤلاء 77% ممن يتصورون أنهم سيتابعون سنواتهم القادمة في تقليب الصفحات".

- فضائل الكتاب الورقي

وخلصت العديد من الأبحاث والاستطلاعات الى فضائل تميز بها الكتاب الورقي من وجهة نظر القراءة نجملها في الآتي:

-الشكل الجمالي والإحساس به:

 لمس الصفحات والإنصات إلى همسها وحفيفها وهي تقلب عند القراءة، يواكبه إحساس لا يشعر به القارئ وهو يقلب صفحات باردة من كتاب رقمي يقرأ على شاشة إلكترونية. والكتاب الورقي يتحمل الشمس والسقوط ولا يقلق راحتك بتويتات أو رسائل ولا يبدد وقتك في الفراغ، أما الكتاب الرقمي فهو معرض للتلف وتضيع معه جماليات النسخ والتجليد والتغليف والإحساس بالملكية. ويمكن تسطير جملة من المزايا التي توفرها القراءة في الكتاب الورقي على الشكل الآتي
- ارتفاع القيمة في الطبعات القديمة

فإن من القراء طبقة كانت وما تزال مهووسة بجمع الكتب ذات الطبعات القديمة واقتنائها وضمها إلى الخزانات الخاصة، وهذا النوع من القراء يمكن أن يدفع ثمناً خيالياً مقابل كتاب واحد، فسحر امتلاك هذه الكتب يسلب عقولهم. إنهم عُشّاق جمع الكتب. وارتفاع ثمن الكتاب مع مرور الزمن سمة بارزة من سمات الكتاب الورقي لا يتوافر عليها الكتاب الرقمي
- رونق القراءة
إن القارئ الذي يقضي مع الكتاب مدة طويلة لا يمكنه بأي حال متابعة ما يقرأ على الشاشة، ولذلك فالكتاب الورقي يناسب أولئك الذين يقضون مع الكتاب وقتاً أطول، ناهيك عن أن مجهود العين في الورق أخف منه على الشاشة المضاءة.
- الاستغناء عن الوسيط
يتيح الكتاب الورقي تقليب صفحاته وقراءتها دونما حاجة لاستخدام وسيط كما هو الشأن بالنسبة للكتاب الرقمي الذي يستطيع بغيره لا بنفسه، أي لا بد له من حاسوب أو شاشة أو هاتف ذكي أو جهاز إلكتروني قارئ مزود بالكهرباء.
د- جمالية الإحساس
ليس في وُسع الكتاب الرقمي أن يشعرك بتلك المتعة التي تنتابك عندما تمسك كتاباً ورقياً بيدك وتتحسسه قطعة قطعة وصفحة صفحة، فالشكل المادي للكتاب يجعل القارئ يلتمس إلى جانب تحصيل المعلومة جمال تقديمها له في صورة حميمية تتبدّى في تسخير القارئ حواسه لبلوغ ذروة النشوة القرائية لمساً لورقه وشماً لرائحته وإدامة للنظر في خطه واستمتاعاً بالإنصات إلى حفيف الصفحات وهي تقلب عند متابعة القراءة. إن الأمر على ما يبدو وثيق الصلة باختيار شخصي مؤسس على قناعة مفادها أن لا شيء يضاهي الكتاب الورقي في قيمته وخصوصيته
- المواجهة المقبلة بين الورقي والالكتروني قانونية!!

برغم قصر عمر الكتابة الإلكترونية  فإنها ومثل جميع فنون العصر الإلكترونية– الإنترنت، التدوين، الصحف الإلكترونية، الكتاب الإلكتروني، المجلات الإلكترونية - تتطور بسرعة كبيرة ومذهلة وتظهر منها أشكال متعددة ومتنوعة تنافس وبشراسة الإعلام التقليدي القديم المطبوع بل وتنافس وبشراسة أيضاً بعضها البعض.في ظل عالم تتقارب مسافاته، وتتداخل مكوناته وتتعزز وشائجه بفعل حركة نقل نشطية في جميع الإتجاهات لكن المواجهة الحقيقية فيما بين النوعين لم تحدث بعد.

فالتهم تكال من الجانبين، فمواقع الإنترنت كثيرا ما تتهم الصحف الورقية بـ - سرقة محتواها-، والصحف والمجلات تتهم مواقع الإنترنت باقتباس موادها الصحفية ونشرها دون إذن مسبق، فمحتوى كل طرف يبدو - حتى هذه اللحظة- مستباحا من الطرف الآخر. وقوانين حماية حقوق الملكية الفكرية حتي الآن لا تحمى حقوق أحد فيما يتعلق بالمحتوى الإخباري أو الإبداع الأدبي، فهذان المحتويان يواجهان حالياً الكثير من الاشكاليات التي لا تتوافر مثلا في حالة الحديث عن سرقات ملفات الفيديو والأغاني والأفلام الحديثة ولقطات أهداف مباريات كرة القدم.

وقد سعت بعض الدول لتنفيذ وتفعيل قانون حماية الملكية الفكرية القديم جداً مثل فرنسا وإنجلترا الذي يدعو الى قطع الإنترنت عن المستخدم الذى يكرر عمليات التحميل للمواد المحمية طبقاً للقانون لثلاث مرات. وتدخل الشرطة والقضاء في الإنتهاك لضبط المواد والإجهزة لإثبات انتهاك الملكية الفكرية. خاصة في حالات المنتهكين المترفين أو المتكررين.

كما تسعي ألمانيا لإيجاد سبل لحماية الصحافة الإلكترونية من الانتهاكات وذلك في اطار خطة تهدف لمساعدة الصحف والمجلات على اقتحام المستقبل الرقمي دون خوف، خاصة أن وسائل الإعلام المكتوبة في ألمانيا وفي دول أخرى- بطبيعة الحال - اشتكت من أن مواقع الإنترنت، وبما فيها المواقع الشهيرة مثل – جوجل- والتي تستفيد من المحتوي اللإخباري والعلمي والأدبي الذي تقدمه هذه الوسائل المكتوبة في تحقيق أرباح طائلة تحصل عليها – جوجل- بمفردها دون أن تعطى الصحيفة أو المجلة حقها.

وتجدر الإشارة إلى أن حماية الملكية الفكرية وحقوقها بدأت منذ وقت مبكر جداً مع بداية عصر النهضة عندما تم اختراع الحرف المطبعي وظهرت الآلة الكاتبة (الطابعة) والتي أدت إلى تنشيط حركة التأليف والنشر والتوزيع ومن ثم ظهرت تعقيدات العملية تطفو على السطح فتنازع المتنازعون، مما حدا بالدول إلى وضع النظم والقوانين لحماية تلك الملكية خاصة منها ما يتعلق بحق المؤلف, أما الجزء المتعلق بالملكية الصناعية فظهر مترابطاً مع الحركة الصناعية والتجارية التي التي عمت الدول الأوربية في ذلك الوقت. وفي هذا الصدد يري البعض أن القانون الإنجليزي الصادر في العام 1623م والمعروف باسم قانون الاحتكارات، هو أول تنظيم قانوني لبراءات الاختراع والملكية الصناعية. على أن قضايا الملكية الفكرية وحماية حقوق الملكية لم تبدأ بشكل فعال إلا في اربع الأخير من القرن التاسع عشر، حيث شهد التوقيع على أهم اتفاقيتين في مجال الملكية الفكرية بشقيها: الملكية الصناعية والملكية الأدبية والفنية، وهما اتفاقية باريس لعام 1883م واتفاقية بيرن للعام 1886م، ثم تعددت في القرن العشرين الاتفاقات الإقليمية مثل، - اتفاقية مكسيكو عام 1902م – و اتفاقية – ريو دي جانيرو عام 1906م – واتفاقية كاراكاس عام 1911م – واتفاقية – هافانا 1928م – واتفاقية واشنطن عام 1946م -. ثم ابرمت الاتفاقية الدولية الكبري لحق المؤلف في جنيف عام 1952م وعدلت في باريس عام 1971م

وأخيراً اتفاقية منظمة التجارة العالمية المعروفة تحت اسم – تربس Trips - في شقها المتعلق بالملكية الفكرية، وذلك في أواسط تسعينات القرن الماضي (اتفاقية إنشاء منظمة التجارة العالمية في مراكش في ابريل 1994م وملحقها رقم 1ج المسمي باتفاقية الجوانب المتصلة بالتجارة من حقوق الملكية الفكرية التربس، وهي الاتفاقية الأهم والأشمل في مجال الملكية الفكرية حيث تحتوي على التدابير التي تضع الحد الأدني من المعايير الدولية للحماية في مختلف أفرع حقوق الملكية الفكرية، كما تمتاز عن سابقاتها من الاتفاقات في هذا المجال بتضمين شق خاص بالإنقاذ وبآلية للتقاضي وفض النزاعات متمثلة في الآلية العامة لفض المنازعات التي تشرف عليها منظمة التجارة الدولية).