أدب الأطفال وتلقيه بين الصغير والكبير •الدكتور د . فاضل الكعبي

 
 
 
أدب الأطفال وتلقيه بين الصغير والكبير
  • د . فاضل الكعبي
  •  باحث متخصص في أدب وثقافة الأطفال                                        

حقيقة لازلت أرى الآن مثلما كنت أرى من قبل ، ذلك التجاهل  الكبير لحاجات الطفل الثقافية والإعلامية والأدبية في مساحات واسعة من عالمنا العربي ، الذي راح السواد الأعظم منه  ينظر إلى إعلام الطفل وثقافته وأدبه من منظور ضيق ، لا يعي حقيقته الكاملة ، ووصل الأمر بغياب وتغييب مطبوعات الأطفال ومنتجات ثقافته وأدبه وإعلامه ، فلا تجد في هذا القطر أو ذاك أي أثر لمجلة أو مطبوع ثقافي وأدبي يخاطب جمهور الأطفال .

إن هذا المنعطف الخطير في النظرة الدونية إلى أدب الأطفال وعناصر ثقافتهم الخاصة ، أدى بالنتيجة إلى فقر الساحة الثقافية من دوافع أحياء الثقافة الإبداعية والأدبية الحقيقية في شخصية الطفل ، وهذا الحال أدى أيضاً إلى اتساع الهوة بين الطفل وثقافته وأدبه ، وكل ذلك أدى إلى ضعف الكثير من منتجات الأدب الذي يكتبه البعض ويقدمه على أنه أدب  للأطفال ، وهذا بدوره أدى إلى إنتاج ثقافة مشوهة للأطفال ، أقل ما يقال عنها أنها ثقافة قاصرة ، وغير منسجمة ومتجانسة مع متطلبات الأطفال وعالمهم ، حين قدم البعض ثقافة ركيكة للأطفال في منتجات الأدب الموجَّه إليهم ،  من دون أن يعي خطورة ذلك ، خاصة من النواحي الفنية والخيالية ، التي تتطلبها هذه الثقافة الأساسية في ما يكتب للأطفال حصراً ، والتي باتت بهذا الحال ثقافة غير منسجمة مع متطلبات انسجامها مع الأطفال ، وذلك لأنها تخلو من الجدية ،  واللغة الطفلية الرصينة ، ومتطلبات الخيال والدهشة ، ومن الأسلوب المؤثر،  والمادة الساحرة التي تجذب الطفل وتشده إليها.

وفي خضم هذا الواقع ، كان اندفاعنا شديداً ، وحماستنا لا تضعف في مواصلة التجربة وتعميقها بشكل دائم في مجال الكتابة للأطفال ، ثقافة وأدباً ، وقد نذرنا أنفسنا للتخصص في ميدان ثقافة الأطفال وأدبهم ، بالرغم من المعوقات والمعاناة التي كنا نجابهها في هذا الاتجاه ، وما أكثرها، لعل من أبرزها عدم اهتمام المؤسسات الثقافية والأدبية والتربوية ، وحتى المجتمع بما يكتب للأطفال من أدب ، وبما يقدمه أديب الأطفال من جهود مضنية في طريق تعزيز ثقافة الأطفال الحقيقية ، والتي تتطلب غاياتها وأهدافها الأساسية أن تكون ثقافة نقية لا تخضع لهذه الأيديولوجية أو تلك ، ولا تتحدد بإطار سياسي يشوه حقيقة الطفولة ، ويحد من انطلاقتها الحقيقية ،  إذ أن الطفولة عالم من النقاء والصفاء الذي يحمل كل معاني الإنسانية ونموها الطبيعي، ولذلك يتطلب من الأدب الحقيقي والخلاق الذي يكتب للأطفال أن لا يتجاوز هذه النظرة وهذا المعيار وهو يتوجَّه إلى مخاطبة الأطفال والتفاعل معهم ومع عوالمهم و قضاياهم ، ومع ذلك راح  البعض ينظر إلى الكتابة للأطفال على أنها نوع من العبث الكتابي الذي لا يجدي منه سوى الترف ومضيعة الوقت ، ويذهب البعض الآخر في نظرته القاصرة لأدب الأطفال ، إلى أن هذا الأدب لا يشغل مساحة مهمة في حياة الأطفال الفكرية والثقافية والابتكارية . 

  وعلى هذا الأساس ، وضمن تصور هؤلاء ـ فإن هذا الأدب ليس له حاجة أو ضرورة تذكر.. ويعتقد البعض الآخر أن الأطفال لا يقرؤون ما يكتب لهم خارج المنهج الدراسي ،  إلا ما ندر ، ومن خلال مساعدة الآخرين لهم ،  من الآباء والأمهات ، ومن هذا المنحى – كما يعتقد هؤلاء -  فإن الأطفال يكتفون بحفظ الأناشيد والأشعار والحكايات التي يتعلمونها في المدرسة ،  كجزء أساسي من المنهج الدراسي ، متناسين إن هذه الأناشيد والأشعار والقصص والحكايات أصلها من منتجات الأدب ، وتحديداً من أدب الأطفال ، ولولا خصوصية هذا الأدب ومهمته لما كان لها مكانها المتميز في الكتب الدراسية ، ولها ما للمواد الدراسية المهمة الأخرى من أساس وضرورة لتعليم الطفل وإغناء أفكاره وقدراته وخياله بما يعزز من قابلياته وقدراته الثقافية والعلمية .

ومن هذا المنطلق نقول لأصحاب هذه الآراء ، ممن لم يوصلهم وعيهم وفهمهم إلى إدراك أهمية أدب الأطفال وحقيقته : إن أدب الأطفال هو أدب حقيقي ومهم وأساسي ، ضمن معطيات الأدب بشكل عام ، ولكن له خصائصه وخصوصيته ، التي تميّزه عن أدب الكبار ، وهذه الخصوصية نابعة من خصوصية الطفولة حصراً ، وقد وجد هذا الأدب ليمارس الدور المهم والخطير في مد الطفل بعناصر الخيال والتأمل والتحفيز على الابتكار والإبداع والسلوك الإيجابي ، ويسهم في تقوية مهارات الطفل القرائية والابتكارية والثقافية .. وقد أسهم – كما نرى وبالتجارب المنظورة -  في تحفيز عشرات الأطفال على الإبداع والابتكار والتخيل والتأمل ، ودفعهم إلى أن ينشطوا في أكثر من مجال.. ولو دققنا في الملكات الإبداعية ومحفزاتها لدى الكثير من العلماء والمفكرين والأدباء والمثقفين، لوجدنا أن غالبيتهم قد اهتم بأدب الأطفال ،  ومتابعته في مراحل طفولته الأولى  ، فكان هذا الأدب خير محفز لهم في الاندفاع نحو الإبداع والتفكير في المستقبل العلمي ، حتى أصبحوا فيما بعد من المشاهير.. وهؤلاء بدورهم راحوا يحثون أطفالهم على قراءة أدب الأطفال ،  والاهتمام به، لأنهم منذ البداية ، ومنذ مراحل طفولتهم ، قد أدركوا أهميته ودوره الفاعل في دفعهم إلى توسيع المدارك ، وإلى إغناء المخيلة وتنمية المواهب، وتنشيط الوعي والمحصلات العلمية والثقافية ، بل إن هؤلاء المشاهير ما زالوا يحنون إلى قراءاتهم الأولى لأدب الأطفال ، تلك التي انصبوا على قراءتها ، والاستمتاع بها خلال طفولتهم، وكذلك ما زال هؤلاء ، إلى الآن يذكرون جيداً أهم القصص والأشعار والحكايات والمسرحيات التي أثرت في نفوسهم، ويصرح أغلبهم بعد أن تجاوزت أعمارهم الخمسين أو الستين أو السبعين من العمر أنهم برغم ذلك العمر لم ينقطعوا عن قراءة مطبوعات الأطفال ونصوص أدبهم ،  التي تذكّرهم بطفولتهم ، وتأخذهم إلى أيام هذه الطفولة وصفحاتها البيضاء النقية ، ولذلك فهم  ما زالوا يشعرون بالمتعة وهم يقرؤون في بعض الأوقات ما يقع تحت أنظارهم من قصص الأطفال وأدبهم الذي يسحر القارئ الصغير والكبير..

لقد ذكرت مثل هذا الكلام في أكثر من محاضرة ، في أكثر من مكان وجامعة ، كان من بينها ، محاضرة لي ألقيتها في رابطة الكتاب الأردنيين عام 1994، وقد عقب على كلامي هذا أحد الحضور من عامة الجمهور حيث جاء في معنى كلامه : إن أدباء الأطفال يقرؤون  بحكم وظيفتهم الإبداعية في هذا المجال أما الآخرون فإنهم قد تجاوزوا هذا الأدب إلى أدب الكبار.. أجبته حينها : إن هذا الكلام غير دقيق ، بدليل أن العديد من الأصدقاء وأناس آخرين ليست لهم علاقة بأدب الأطفال ، كانوا في أكثر من مناسبة قد عبروا عن حرصهم على مطالعة هذا الأدب والاستمتاع بنصوصه  ، وقد أبدوا لي بعض الآراء والملاحظات والانطباعات المهمة والدقيقة ،  حول هذه القصة أو تلك القصيدة ، التي طالعوها في مجلة الأطفال هذه ، أو في أحد كتب الأطفال.. وكنت أجد في كلامهم نباهة واضحة ، مع   بعض الدقة في القراءة والمتابعة .. فكيف حصل ذلك إذا لم يقرأ هؤلاء بعض ما ينشر من أدب للأطفال ، وتصبح عندهم الميول الكبيرة إلى قراءته ومتابعته؟ .

صحيح إن أدباء الأطفال وغيرهم من العاملين في مجالات أدب وثقافة الأطفال هم من  يقرؤون نماذج هذا الأدب ونتاجه ، بحكم علاقتهم الإبداعية ، وبحكم وظيفتهم الأدبية واتصالهم المباشر في هذا الأدب ، وهذا شيء طبيعي .. ولا يمكن أن ننكر ذلك ،  فأنا مثلا لا أقرأ ما تقع عليه عيناي من كتب ونماذج أدب الأطفال   فحسب ، بل أسعى بكل دقة وشغف إلى البحث عن كل ما له علاقة بهذا الأدب، ونتاجه  القديم والحديث .. وأقرأ ذلك وأتابعه بدقة ولهفة كأي طفل شغوف وحريص على قراءة أدبه بشكل متواصل .. أما الآخرون خارج دائرة التخصص في هذا الأدب  ، فناك الكثير منهم من  يتابع هذا الأدب ويتعلَّق فيه .. نعم ، فبعضهم يتابعه ليس بحماسة المعنيين به ، بعضهم يتابعه لكي ينقله إلى أطفاله ، وبعضهم يهتم بهذا الأدب  لما فيه من خيال واسع ومتعة كبيرة ، وقيم عالية ، ويجد فيه فرصة لاستعادة طفولته والعودة بخياله إلى نقاء تلك المرحلة وذكرياتها ، وفي الغالب يصبح الكبير وسيطاً مهماً بين الطفل وأدبه، وعلى هذا الأساس فإن أدب الأطفال ، مع خصوصيته وخصوصية توجهه للأطفال بشكل خاص، إلا أن الكبار يتلقونه أيضاً باندفاع ذاتي ، سواء بقراءته لأطفالهم أو بقراءته لأنفسهم ، ولا غرابة في ذلك.

                                 ******